الثعالبي
332
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
وجمهور المفسرين ، أي : يمطرون ، وجائز أن يكون من أغاثهم الله : إذا فرج عنهم ، ومنه الغوث ، وهو الفرج ، ( وفيه يعصرون ) : قال جمهور المفسرين : هي من عصر النباتات ، كالزيتون ، والعنب ، والقصب ، والسمسم ، والفجل ، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة . وقوله سبحانه : ( وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول . . . ) الآية : لما رأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي ، وتضمن الغيب في أمر العام الثامن ، مع ما وصف به من الصدق عظم يوسف في نفس الملك ، وقال : ( ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ) : يعني : الملك ، ( فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، وقصده عليه السلام بيان براءته ، وتحقق منزلته من العفة والخير ، فرسم القصة بطرف منها ، إذا وقع النظر عليه ، بأن الأمر كله ، ونكب عن ذكر امرأة العزيز ، حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له ، وفي " صحيح البخاري " ، عن عبد الرحمن / بن القاسم صاحب مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ولو لبثت في السجن لبث يوسف لأجبت الداعي " : المعنى : لو كنت أنا ، لبادرت بالخروج ، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ، وذلك أن هذه القصص والنوازل ، إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها إلى يوم القيامة ، فأراد صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور ، وذلك أن التارك لمثل هذه الفرصة ربما نتج له بسبب التأخير خلاف مقصوده ، وإن كان يوسف قد آمن ذلك ، بعلمه من الله ، فغيره من الناس لا يأمن ذلك ، فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح ، ليقتدى به ، وما فعله يوسف عليه السلام حالة صبر وتجلد ، قال ابن العربي في " أحكامه " : وانظر إلى عظيم حلم يوسف عليه السلام ووفور أدبه ، كيف قال : ( ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ) ، فذكر النساء جملة ، لتدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم ، بالتلويح دون التصريح . انتهى . وهذه كانت أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يقابل أحدا بمكروه ، وإنما يقول : " ما بال أقوام يفعلون كذا " ، من غير تعيين ، وبالجملة فكل خصلة حميدة مذكورة في القرآن اتصف بها الأنبياء والأصفياء ، فقد